عمر فروخ
194
تاريخ الأدب العربي
التأويل الباطني في الدين . من أجل ذلك كان يكتم أمره أشدّ الكتمان . ثمّ اضطرّ إلى أن يخرج من قرطبة فانتقل إلى القيروان . ولكنّه عاد بعد ذلك إلى فرطبة ولزم فيها بيتا نائيا عن الناس . وكانت آراء ابن مسرّة خليطا من الآراء اليونانية المتأخّرة وأكثرها يدور حول تخيّل هذا العالم ووجوده من الاعتقاد بمادّة روحانية تتألّف منها الكائنات ( المادّية ) في مقابل العالم العقليّ الذي يتألف من الجواهر الخمسة . وفي فلسفته أشياء كثيرة وثنيّة . وكثر أتباع ابن مسرة وخصوصا في أيام الحكم المستنصر لما كان من تشجيع الحكم للعلم ولتساهله في انتشار الآراء المختلفة . فلمّا توفّي الحكم المستنصر ، سنة 366 ( 976 م ) حدثت حملة على آراء ابن مسرّة وعلى اتباعه ثمّ اشتدّت هذه الحملة في أيام المنصور بن أبي عامر ( ت 392 ه ) . مظاهر الأدب وخصائصه وأعلامه في عصر الخلافة كان أمراء بني أميّة ينظرون إلى دولتهم في قرطبة بالأندلس على أنّها استمرار لدولتهم في دمشق بالشام . فهذا النظر القوميّ العصبي مضافا إلى الجامع الدينيّ الروحيّ جعل أهل الأندلس كلّهم يرون في المشرق مثلا أعلى وقدوة في الحياة الاجتماعية وفي الفقه والعلم والتفكير والأدب . من أجل هذا كلّه لا يستغربنّ أحد إذا لم يختلف الأدب الأندلسيّ في الشعر والنثر من الأدب المشرقي - في خصائصه المعنوية وخصائصه اللفظية - اختلافا ظاهرا . وممّا يروى في هذه الحال أنّه لمّا وصل كتاب « العقد » لابن عبد ربّه الأندلسيّ ( ت 328 ه ) إلى المشرق واطّلع عليه الصاحب بن عبّاد ( 326 - 385 ه ) قال : « هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا ! » فإنّ كتاب « العقد » هذا كتاب مشرقيّ في اتّجاهه وموضوعاته وأسلوبه وروحه ومنتخباته . ولولا أن فيه فصلا يتعلّق بأمراء الأمويّين في قرطبة لما أدرك أحد أنّ للكتاب صلة بالأندلس .